كثيرًا ما نجد أنفسنا نفتح الطرد بشغف، نجرّب المنتج، ثم نضعه جانبًا ولا نعود إليه أبدًا. تمر الأيام، فنكتشف أننا اشترينا شيئًا لا نحتاجه، ولا نستخدمه، وربما لم نكن نريده أصلًا. هذه الظاهرة ليست صدفة، بل نتيجة طبيعية لمجموعة من العوامل النفسية والتسويقية التي تدفعنا للشراء دون تفكير، وعلينا أن نفهمها جيدًا إذا أردنا أن نستعيد السيطرة على قراراتنا الشرائية.
أحد أبرز الأسباب هو التأثير النفسي للعروض والتخفيضات. عندما نرى خصمًا كبيرًا أو عرضًا محدودًا، ينشط لدينا شعور بالفرصة التي لا يجب تفويتها. نحن لا نشتري المنتج، بل نشتري الإحساس بأننا ربحنا شيئًا، أو أننا “ذكيّون” لأننا اقتنصنا صفقة. وهذا الشعور يدفعنا للشراء، حتى لو لم نكن نحتاج للمنتج إطلاقًا.
عامل آخر هو التسوّق بدافع العاطفة، وليس بدافع الحاجة. في لحظات التوتر، الملل، أو حتى الفرح، نلجأ إلى التسوق كوسيلة لتعزيز المزاج أو الهروب من مشاعر معينة. هذا النوع من الشراء يكون سريعًا وغير مدروس، وغالبًا ما ينتهي بندم وتأنيب ضمير. نشتري منتجًا لا علاقة له بحياتنا العملية، فقط لأنه منحنا شعورًا مؤقتًا بالتحكم أو الراحة.
من الأسباب القوية أيضًا تأثير الإعلانات الموجهة والمحتوى الترويجي على وسائل التواصل الاجتماعي. نرى مؤثرًا يمدح منتجًا ويستخدمه يوميًا، فنشعر بأننا بحاجة لامتلاكه كي نكون “مثلهم” أو نعيش نفس التجربة. وهنا، يتحول الشراء إلى محاولة تقليد لا واعٍ، وليست نتيجة احتياج فعلي.
المجتمع أيضًا له دور. في بعض الأحيان نشتري أشياء فقط لأن من حولنا يمتلكونها، أو لأننا لا نريد أن نبدو خارج الاتجاه السائد. هذا يُعرف بضغط المقارنة الاجتماعية، وهو دافع قوي لكنه غير منطقي، لأن الحاجات تختلف من شخص لآخر.
ولتفادي هذا النوع من الشراء العشوائي، نحتاج إلى وضع بعض القواعد البسيطة والعملية. أولها: تأجيل قرار الشراء لمدة 24 ساعة على الأقل. هذه المهلة كافية لفصل العاطفة عن القرار، ومراجعة إن كنت فعلاً تحتاج المنتج. ثانيًا، ضع قائمة مشتريات مسبقة، وراقب نفسك: هل تشتري من هذه القائمة، أم من خارجها؟ ثالثًا، اسأل نفسك سؤالًا مباشرًا قبل الشراء: “هل هذا المنتج يحل مشكلة حقيقية في حياتي؟” إذا لم يكن الجواب واضحًا ومقنعًا، فلا داعي للشراء.
رابعًا، تعلّم التفرقة بين الرغبة والاحتياج. الرغبة لحظية، بينما الاحتياج مستمر وله تأثير ملموس على يومك. خامسًا، تابع نفقاتك وسجّل كل عملية شراء. هذا التمرين البسيط يجعلك أكثر وعيًا بما تشتري، ولماذا تشتريه، وكم تنفق على أشياء لا قيمة لها فعليًا.
نحن لا نشتري فقط ببطاقتنا البنكية، بل بعواطفنا، وضغوطنا، وتأثرنا بمن حولنا. وفهم هذه المحركات هو الخطوة الأولى نحو الشراء الواعي. عندما نتحكم في دوافعنا ونتعلم كيف نقول “لا” للمنتجات التي لا نحتاجها، نبدأ في بناء علاقة صحية مع المال ومع قراراتنا. الشراء الذكي لا يبدأ في المتجر، بل في عقلنا قبل أن نضغط على زر “إضافة إلى السلة”.